أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
324
العقد الفريد
إليه ، إذا بفارس قد أقبل علينا ، فقال أبا جعفر ، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك ، ويقول لك : جمعت له وخش رقيق الحجاز وأبّاقهم وحبست عنا فلانة ، فابعث بها إلينا - وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدّثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم ، فقال له يحيى بن الحكم : وما ذا أهدى إليك ابن جعفر ؟ جمع لك وخش رقيق الحجاز وأبّاقهم وحبس عنك فلانة . قال : ويلك ، وما فلانة هذه ؟ قال : ما لم يسمع واد أحد بمثلها قطّ جمالا وكمالا وخلقا وأدبا ، لو أراد كرامتك بعث بها إليك . قال : وأين تراها . وأين تكون ؟ قال : هي واللّه معه ، وهي نفسه التي بين جنبيه - فلما قال الرسول ما قال ، وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر ، إذا سمع ما يكره تصامّ ، فأقبل عليه فقال : ما يقول يا بديح ؟ قال : قلت : فإنّ أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول : إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول : إن اللّه نصر المسلمين وأعزهم . قال : اقرأ أمير المؤمنين السلام ، وقل له : أعز اللّه نصرك ، وكبت عدوك . فقال الرسول : يا أبا جعفر ، إني لست أقول هذا . وأعاد مقالته الأولى . فسألني فصرفته إلى وجه آخر . فأقبل عليّ الرسول ، فقال : يا ماصّ . . . أبرسل أمير المؤمنين تهكّم ، وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب ؟ أما واللّه لأطلّنّ دمك . فانصرف ، وأقبل عليّ بن جعفر فقال : من ترى صاحبنا ؟ قال : صاحبك بالأمس . قال : أظنه ! فما الرأي عندك ؟ قلت : يا أبا جعفر ، قد تكلّفت له ما تكلفت ، فإن منعتها إياه جعلتها سببا لمنعك ، ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه . قال : ادعها لي فلما أقبلت . رحّب بها ثم أجلسها إلى جنبه ، ثم قال : أما واللّه ما كنت أظن أن يفرق بيني وبينك إلا الموت . قالت : وما ذاك ؟ قال : إنه حدث أمر ، وليس واللّه كائنا فيه إلا ما أحببت ، جاء الدهر فيه بما جاء . قالت : وما هو ؟ قال : إن أمير المؤمنين بعث يطلبك . فإن تهوى فذاك ، وإلا واللّه لم يكن أبدا . قالت : ما شيء لك فيه هوى ولا أظنّ فيه فرجا عنك إلا فديته بنفسي ، وأرسلت عينها بالبكاء . فقال لها : أما إذا فعلت فلا ترينّ مكروها : فمسحت عينيها ، وأشار إليّ فقال : ويحك يا بديح استحثها قبل أن تتقدّم إليّ من القوم بادرة . قال : ودعا بأربع